Home ثقافة وفنون موسيقى طرق المقام متقاطعة مهما اختلفت جنسياتها

طرق المقام متقاطعة مهما اختلفت جنسياتها

0 second read
0

بقلم: حنان مبروك

طرق المقام متقاطعة مهما اختلفت جنسياتها الكمان، تلك الآلة الصغيرة التي يحملها العازف على كتفه محنيا رأسه قليلا عليها، الآلة التي تئن كأنين الموجوعين، و تفرح بمسحة حزن غريب.

تلك الآلة، بموقعها الذي يبدو كحزن يضاف لأحزان حاملها و عازفها، هي من عشقها العازف التونسي زياد الزواري منذ صغره، واختار أن يسلك طريقه الموسيقي في عالم الكمان لينحت اسما فنيا بدأ يرسم أول ملامحه بألبوم موسيقي مميّز. طريق زياد مع الكمان أدى به إلى البحث في المقامات الموسيقيّة، ليولد “طرق المقام”، ألبوم موسيقي مجدّد في المقامات التونسيّة القديمة و باحث في مقامات ذات جنسيات أخرى، بعث في الحياة بعد تجربة طويلة و رحلة موسيقيّة التقى فيها المقام التونسي بالأرمني و التركيّ و العربيّ.

طرق المقام، أوصلت زياد الزواري بعد رحلة جميلة صعد فيها فوق ركح مهرجان موازين بالمغرب، إلى مدينة الحمامات التونسيّة أين اعتلى رفقة مجموعة من أشهر العازفين ركح مهرجان الحمامات الدولي في دورته الرابعة و الخمسين لتأثيث سهرة موسيقيّة بتاريخ 8 أوت 2018.

صعد الزواري ركح مهرجان الحمامات الدولي محاطا بأمهر العازفين الذين اشتركوا معه في حلم المقام و عشقه، فكان عازف الغيتار التركيّ عبد الرحمان تاريكشي على يمين المسرح، كصرح عثمانيّ شاهد على مجد أجداده الأولين، متغنيا بالمقامات التركيّة كما التونسيّة بروح عثمانيّة تملك من عظمة الصوت و جمالها ما لا يقل عن جمال البلاد و تاريخها الكبير، و ذلك عازف الايقاع و قارع الطبول الأرمني جوليان تيكيان، ينكب على العزف بدقة متناهية متابعا كل حركة صوتية تخرج من حنجرة الزواري، وأحيانا يترك له قائد العمل فرصة الإبحار في عالم الموسيقى وحيدا فتظنه يقرع أجراس الحرب و الإبادات المتتالية التي عانى من الأرمن و يحملون آثارها النفسية على مر التاريخ.

هذا الجمع بين أرمني و تركي فوق مسرح تونسي أشبه بلوحة رسمتها يد أمهر الفنانين التشكيليين، لوحة لم تخطر ببال أحدهم يوما، تجمع أضدادا على مدى التاريخ، و بجمعهم في تونس كأنما جمع شعبان خلقت السياسات بينهما داء كبيرا يصعب شفاؤه على مر الزمن. أقام جمهور الحمامات مع زياد الزواري في “مقامات” عدة، وتلذذ بالاستماع لإيقاع الراغا من الهند و القناوة (السطمبالي) من بلدان المغرب العربي و موسيقى الجزر التركية.

وكان الزواري مصحوبا بكمانه كمن يسير في “طرق المقام” وهو ينثر الموسيقى على الجمهور بعطور مختلفة، فيخيّل إليك أنه يحمل “هواء من الهند” و “أزهارا” تركية و “نوتات مصرية” ليسافر بها إلى “جرجيس” و ينادي على “بوعكازين” عله يوصل “رسالة إلى إقبال”.

عزف زياد الزواري أشهر المقطوعات الموسيقية التونسية فكانت جرجيس لرضا القلعي حاضرة برونق مختلف، فأداء الزواري الجميل على كمانه الصغير لم يكن أقل جمالا من أداء عبد الرحمان تاريكشي الذي تغنت حنجرته العثمانية و صوته العميق و حروفه العربية غير السليمة بجرجيس فأضافت لها من المقامات التركية ما يجعلها تحفة موسيقية متجددة.

نادى ” التركي” على أرض تونس، على بوعكازين، وهي احدى الأناشيد الصوفية لمدينة صفاقس ورغم ان صوته العثماني لا يجيد نطق الكلمات العربية التونسية سليمة ، إلا أن الجمهور تفاعل معه رقصا و غناء و أحيانا ضحكا، ولم يتردد هذا العازف الماهر في أن يغرّد بصوته الحزين حاملا رسالة إلى إقبال “عزيزة قلب الزواري” و حبيبته التي ألّف لها أول مقطوعة موسيقية في مسيرته الفنية ، معزوفة حملت في نوتاتها حزن الحبيب الذي حرمته الغربة و البحث عن العلم من حبيبة عشقها ولم يهجع قلبه ألما إلا حين عاد لأرضها.

طيلة ساعة، تلذذ جمهور مهرجان الحمامات بمقامات عديدة كما خاض مغامرة بصرية جميلة، فالزواري ببدلته السوداء الأنيقة لم يكتف بعزفه على الكمان بل حمل “شقاشق” السطمبالي ليجوب المسرح و يزيد من حماس الجمهور الذي تطبع بمقامات تونس الأصيلة.

و طيلة العرض الموسيقي ككل، كان زياد الزواري مسافرا في طرق المقام و زاده آلات موسيقية متنوعة لثقافات موسيقية مختلفة لكن بوصلته الوحيدة ليصل إلى الهدف لم تكن سوى كمانه الصغير الحزين وكأنه يقول أن العزف عل الكمان “كالعزف على القدر موجع، مؤلم لكنه يبعث لذة تشدك إلى اللامتناهي، إلى مايلي دون حول منك أو قوة”.

تعليقات الفايسبوك :
المزيد من المقالات ذات الصلة
تحميل المزيد في موسيقى
التعليقات مغلقة.

اقرأ أيضا

“عطور محمد علي كمون”: إذا أُلهِبت بقلبك ناره… فالعطر زكيّ وتونس داره

بقلم: حنان مبروك يقول شاندلر بور خبير العطور و الشمّ في حديثه عن الروائح إنه “عندما يزداد …