Home ثقافة وفنون موسيقى بدرالدين الدريدي: عرق نابض بفن معمّر

بدرالدين الدريدي: عرق نابض بفن معمّر

0 second read
0

 تتعدد الآلهة و تختلف، وفي تعددها واختلافها ضاع الانسان الأوّلي و صار يصنع لكل صفة عظيمة مخيفة كانت أو جميلة إلاها يحميها، فكانت آلهة الحب و الحياة و الرياح و الشمس والموت و القائمة تطول، ثم نزلت الكتب السماوية و صار لكل البشر إله وحيد و انبياء مختلفون.

لكن وحدانية الله لم تمنعهم من نبذ الآخر، وكره الدين المختلف و حتى محاولة إبادة الغير بحجج دينية ،مما جعل بعض الفلاسفة أمثال كارل ماركس يعتبرون ان الدين افيون الشعوب، وربما، كانت الموسيقى الرابط الوحيد الذي لم يخلق صدعا بين شعب و آخر و بالموسيقى فقط ترى الإنسان متقبلا للاختلاف و مسالما أمام الفن المتنوّع.

الموسيقى، حتى تلك التي ربما عزفها الإنسان البدائي في عصور ما قبل التاريخ، دون إدراك منه لماهية الفعل، وحدها كانت تجمع الناس حول لذّة حسّية لا يفقهون أسبابها و تأثيراتها.

في تونس، تختلف انماط الموسيقى في البلد ولكن اختلافها و انفتاحها على المشرق و سيطرة الأهداف التجارية الربحية على أغلب الإنتاجات الفنيّة أصبح سببا رئيسيا في غياب الهويّة الموسيقية مما تسبب في ظهور مجموعات موسيقية متجذّرة في عمق الموروث الفني التونسي.

ومن المتشبثين بالهوية الموسيقية التونسية و محاولة ترويجها خارج الحدود الجغرافيّة للوطن، الموسيقي التونسي بدر الدين الدريدي، الذي حل ليلة 8 أوت 2018 في مهرجان الحمامات الدولي رفقة مجموعة موسيقية من أمهر العازفين لتقديم عرض “عروق” فوق أحد أعرق المسارح الفنية في تونس.

عرق من عروق تونسيّة فنيّة معمّرة هو موسيقي شاب، درس الموسيقى في تونس ثم تابع دراسة الماجستير في فرنسا ليغادرها اثر ذلك إلى إيطاليا أين قرر النبش في موروث تونس الفنيّ و تقديمه بتوزيع موسيقيّ جديد مستساغ لدى المحيط الخارجي. موسيقي يحمل رسالة فنيّة ضاربة في التاريخ الموسيقي التونسي، فتراه يبحث و ينتج في مجال تغافل عنه أغلب فناني تونس محاولا التجديد بموسيقى قريبة من الروح التونسيّة الأصيلة.

بين السطمبالي و القناوة و النوبة و الصالحي و الصحراوي، تتوغل بك عروق بدر الدريدي، فتكاد تظن أنه لو بعث في هيئة مختلفة لربما كان عرقا لإحدى الأشجار المعمّرة الشاهدة على تاريخ تونس و كل جماليّات الفن فيها، عرقا متمسكا بالحياة ومقاوما لكل الغزو الثقافي المتعاقب و الملوّث لكل بداية و تاريخ جميلين. يعتبر بدر الدين الدريدي أننا في حاجة إلى جيل موسيقي ملتزم بالفن التونسيّ و بالموروث الكبير و حتى لو تعددت المجموعات الشبابيّة فإن ذلك دليل على سير الفن في تونس إلى التعافي من الثقافة المشرقية و التجاريّة وأن كل فرقة لن تقدّم أي عمل فني بالتصوّر ذاته الذي تعمل عليه أي فرقة موسيقية أخرى.

في عروق، يسعى الدريدي لجعل الموسيقى كلمة الفصل و الحكم بينه و الموسيقيين لدى الجمهور، فهم لا يلتزمون بزي موحد يجعل منهم أشبه بعازفين في إحدى الفرق القديمة “الأنتيكا” بما تحمله من فكر و ثقافة و توجه لعصر مضى بل تراه كل مرة يصعدون المسرح بملابس لائقة بالعرض لكنها تختلف من عازف إلى آخر وترى كل عضو من أعضاء الفرقة قد لبس ثيابا ارتاح لارتداءها و تشجعه على أن يكون كما هو فيحضر كل عازف بكيانه الكليّ و يطرب الجمهور بموسيقى تشبه أصوات جميلة وهبها الله لبعض مخلوقاته التي لا نملك قوة لمقاومة حبها والإعجاب بها.

رحلة موسيقيّة لأعماق تونس اللامتناهية

حفل عروق في مهرجان الحمامات كان مخصصا في سهرة ثنائية سبقه في تأثيثها العازف التونسي زياد الزواري بطرق المقام، ورغم أن “عروق” قد ظلم بتأخر صعود أعضاء الفرقة فوق الركح و خسارتهم عددا كبيرا من الجمهور إلا أن مصافحتهم الأولى في مسيرتهم لجمهور مهرجان الحمامات الدولي كانت جيدة، اذ تفاعل معهم الحضور و أعجبوا بطريقة تقديمهم للموروث التونسي و خاصة بآداء بدرالدين الدريدي و رقصه العفوي فوق الركح و محاولته فسح المجال لكل عازف كي يبدع.

في الحفل، صرخ بدرالدين الدريدي مجددا في الموسيقى “أنا تونسي ” “مازلت بجودي” “صحراوي” ولم يتناسى تقديم الموروث الموسيقي التونسي النوبيّ بأغنية “من ضاق بحاله” و بسطمبالي “زمبالا” ليرقص الجمهور و تعلو الزغاريد و يزداد معها حماس بدر و يجوب المسرح راقصا و عازفا و مغنيا.

عروق كان عرضا للطبوع التونسية بذرته الأولى فكرة مشتركة بين بدر الدين الدريدي ومحمد الخشناوي، رفقة موسيقيين موزعين على آلات موسيقية مختلفة يعزفون في تناغم كبير و بلمسات سحرية ، فتراهم اشبه برسام ماهر يعلم جيدا أيض تقع ريشته من اللوحة كي تزيدها رونقا و بريقا.

لكل عازف منهم مشوارهم الموسيقي طويلا كان أو قصيرا و لكل منهم قصة نجاح رسم منها ملامحها الكبرى و في عروق كانوا جميعا فوق ركح الحمامات محددين لهوية العرض و لهالة النجاح الكبرى، تلك الهالة التي رسمها كل من نبيل الورغي على الباس ومحمد الخشناوي على الباتري وأيمن عديلة على القيتار وأحمد اليتيم على الناي ونبيل الورغي على الباس وصحبي بن مصطفى في القمبرا وجوهر تبر في الوتر و عماد الرزقي” فلفول” في الايقاع فكانوا قائدي رحلة موسيقية تاريخية مدتها ساعة يتيمة، سافر خلالها جمهور الحمامات في تاريخ الموسيقى التونسية.

هذا العمل الفنيّ الذي شارك سابقا في مهرجان ليالي المتحف في سوسة هو نتاج إيمان بفكرة عميقة وليس مجرد رغبة في الظهور موسيقيا أو سعيا وراء الشهرة أو كسب الكثير من المال بل هي فكرة تكاد تكون غير منفصلة عن كل جزء من المشاركين في تجسيدها واقعيا و ليست في منأى عن حقيقتهم الوجودية و الفنية و كما تقول اورسولا لي جوين :” لم أشك للحظة في أن الموسيقى و التفكير متشابهان بل يمكن القول أن الموسيقى هي طريقة أخرى للتفكير و ربما التفكير ماهو إلا نوع آخر من الموسيقى”.

تعليقات الفايسبوك :
المزيد من المقالات ذات الصلة
تحميل المزيد في موسيقى
التعليقات مغلقة.

اقرأ أيضا

“عطور محمد علي كمون”: إذا أُلهِبت بقلبك ناره… فالعطر زكيّ وتونس داره

بقلم: حنان مبروك يقول شاندلر بور خبير العطور و الشمّ في حديثه عن الروائح إنه “عندما يزداد …