Home أخبار عاجلة الشـاهد «يُـقـاوم» مـن أجـل نفسـه

الشـاهد «يُـقـاوم» مـن أجـل نفسـه

0 second read
0

بقلم: لطفي العربي السنوسي

تعيش تونس اليوم أزمة سياسية معقدة وتداعيا حادا على المستويين الاقتصادي والاجتماعي وتبدو كل العناصر معلّقة ومشدودة الى الاطراف المتنازعة حول السلطةلافتكاك المساحات أشهرا قبل انطلاق العد التنازلي للاستحقاقات القادمة تشريعية ورئاسية…

نحن ـ اليوم ـ امام صراع حقيقي حول «رحى السلطة» في معركة شرسة تختفي وراء سرديات المصلحة الوطنية العليا وهي كلها مقدمات لما ستشهده سنة 2019 وهي سنة الفرز ـ كما يصفها الملاحظون ـ والتي ستحتل مساحاتها نفس «الأطراف المتنازعة» حاليا حول «حكومة يوسف الشاهد» والكل يبحث ـ الآن ـ عن «مخارج انتصار» من الأزمة الحالية لتحويلها بعد ذلك الى «مداخل» ومقدمات أو عناوين لحملته الانتخابية سنة 2019…؟.

من الغباء الاعتقاد أنّ المعركة ـ الآن ـ حول السلطة هي معركة قيم ومبادئ من أجل تونس ومن أجل المصلحة الوطنية التي تهرأت وتحولت الى شعار للتسويق الإعلامي… نحن أمام معارك شخصية من أجل فرض الوجود «بالقوة» ومن أجل «تلميع» الصور «الشخصية» ومن أجل فتح ثنايا سالكة في اتجاه 2019 الساخنة.

فكلنا يدرك أنّ تونس اليوم انما تحصد نتاج الثمار المتعفنة التي خلفتها حكومات ما بعد الثورة ويحصد شبابها ثمار الخيبات الكبرى التي تراكمت على امتداد ثماني سنوات عجاف أدارت شؤونها انتهازيات تهافتت على الحكم وامتدت أياديها لتقطف كل شيء بما في ذلك الاحلام والأمنيات منذ «الثورة تلك» التي فتحت أبواب الأمل أمام التونسيين لتغيير حالهم وحال أبنائهم.
وكل المؤشرات» كانت تؤكد أن التونسيين سيكونون بأفضل حال بعد سقوط منظومة الاسبتداد وأنّ تونس ستكون بلا مثيل على امتداد خارطة البلاد العربية..

سقطت منظومة الاستبداد ثم عادت من الأبواب الخلفية بأعلامها ممن تغذوا منها على امتداد عقدين ألم يكن فؤاد المبزع أول رئيس للجمهورية ما بعد الثورة… ـ وهذه مهزلة أولى ـ ومن حوله وفي جواره محمد الغنّوشي آخر رئيس وزراء بن علي وتم تكليفه ـ بداية ـ برئاسة أول حكومة بعد الثورة… ليخلفه بعد ذلك رجل دولة من القرن الماضي هو السيد الباجي قائد السبسي والذي بدأ في التهيّئ للامتداد عميقا بعد ذلك… ثم تم تسليم الحكم ـ برمته ـ في انتخابات 2011 الى الاخوان وكان لهم على طبق «ذهبي فاخر» فأفسدوا الزرع والضرع وهتكوا أمن البلاد وارتدّوا بها الى أسفل السافلين وفتحوها «للسفلة» من رهوط الوهابية وتحولت الى «أرض خصبة» للإرهاب بعد استفاقة الخلايا النائمة ولتتحول البلاد بعد ذلك الى ملاذ آمن يستقبل ويصدّر الارهاب والارهابيين فمات من مات واغتيل من اغتيل في مشاهد تراجيدية هزّت العالم وكادت تونس أن تهلك وكان على رأسها «المنصف المرزوقي» وهو لاعب احتياطي أغوته السلطة ففعل بها ما لا يفعله العدوّ بعدوّه.

سرديات «الزمن الاخواني» موثقة ومعلومة لدى الجميع ولا يسمح المجال بالتوغل في تفاصيلها الكارثية…

ولم يكن الحال ليستمر على ما هو عليه وقد أدرك التونسيون أنهم مقدمون على مخاطر جحيمية فكان اعتصام الرحيل الذي توازى مع السقوط المدوّي للإخوان في مصر والذي توّج باطلاق الاتحاد العام العام التونسي للشغل مبادرة الحوار الوطني وخارطة طريق جاءت بالمهدي جمعة وحكومة التكنوقراط التي أغرقت البلاد في المديونية واختارت سياسة «التسوّل» من المؤسسات الدولية المانحة لإدارة الشؤون اليومية للبلاد التونسية لنصل في الأخير الى الانتخابات التشريعية والرئاسية لسنة 2014 التي نجح فيها نداء تونس (بداية امتداد الباجي قائد السبسي) في اكتساح البرلمان مع صعود الاخوان بنفس الثقل ـ تقريبا ـ ونجح الباجي قائد السبسي في افتكاك رئاسة الجمهورية من غريمه المنصف المرزوقي..

نجح نداء تونس في «افتكاك» السلطة من الاخوان بفضل ناخبيه من العائلة التقدمية بعد الوعود التي اطلقها «السبسي» في حملته وكان عنوانها الكبير «انقاذ تونس» من الاخوان وكانت تلك اولى خدعاته.. فبعد «استواء العرش» اعادهم من الباب الخلفي وحوّلهم الى شركاء حكم ونقلهم الى جواره بدعوى ان المرحلة تستدعي حكما تشاركيا مع «ثقل اخواني» لا يمكن التغاضي عنه او اغفال وجوده… وهذا ـ في الواقع ـ ادعاء باطل كنا تحدثنا فيه طويلا ولا جدوى من العودة الى سفاهة بمثل هذا الحجم..!
جيء بالسيد الحبيب الصيد على رأس الحكومة الأولى وفيها خليط هجين بين ندائيين واخوان وعدد من الانتهازيين وقد ابدى رئيس الحكومة حماسة كبرى وجدية في ادارة شؤون ما بين يديه رغم ثقل الملفات والاتفاقيات العالقة التي رحّلها له سلفه المهدي جمعة اضافة الى مالية عمومية متداعية ومديونية فاقت كل ما كان يتوقعه الرجل وبرغم ذلك لم يصب بالاحباط وحاول انقاذ ما يمكن انقاذه الا ان الخذلان الكبير جاءه من عند حزبه نداء تونس (خاصة في حكومته الثانية) وقد عملت قياداته بكل ثقلها على دفعه للاستقالة لعدم «انضباطه» لتعليمات القيادة خاصة فيما يتعلق بالتعيينات على رأس مؤسسات الدولة (تعيينات الولاة) وكما منحوه ثقتهم في البداية سحبوها منه في البرلمان باجماع ندائي اخواني…

ثم جاءت مبادرة الرئيس السبسي باطلاق وثيقة قرطاج في نسختها الاولى (جوان 2016) اجتمع من حولها النداء والنهضة واتحاد الشغل ومنظمة الاعراف وعدد من الاحزاب التي كانت تبحث عن موطئ قدم في الحكومة الجديدة وقد فاجأهم «الرئيس» باقتراح يوسف الشاهد لتولي رئاسة الحكومة شرط ان يسنده الجميع وان يوفروا لحكومته مناخا من التهدئة حتى ينقذ ما افسده «السابقون».. تم الترحيب بالرجل الذي دفع به السبسي الى السلطة ولم تكن له سيرة تدل على عبقريته ولا خبرة ولا ماض سياسي يؤهله لهذه المهام الكبرى.

دخل الشاهد الى الحكم من الباب الكبير وبين يديه صلاحيات دستورية كبرى يتقاسمها مع الرئيس الا انه لم يخرج أبدا من تحت «جلباب الرئيس» كثقل حقيقي.
زائد محاصرة لصيقة من حزبه نداء تونس المحاصر ـ بدوره ـ بتوافق مغشوش مع حركة النهضة.. في خطاب منح الثقة اطلق الشاهد وعودا كبرى لدفع التنمية وللتخفيف من مظاهر الفقر والبطالة وتوفير الشغل لطالبيه وأطلق صيحته تلك «يلزمنا ناقفو لتونس» ومن بعدها اختار الذهاب الى الحلول السهلة بالتوجه الى الصناديق الدولية المانحة ليزيد في تعميق نسبة المديونية وفتح الباب بذلك لاملاءات صندوق النقد الدولي زائد سياسة ضريبية مجحفة أثقلت كاهل الأجراء من القطاعين العام والخاص وكان ذلك كافيا للاصطدام مع الحائط الصلب للاتحاد العام التونسي للشغل وخاصة فيما عرف باسم «الاصلاحات الكبري» كما يراها السيد يوسف الشاهد الذي تعنت ورفض الانصات ـ اصلا ـ لمقترحات الاتحاد ورؤيته لإصلاح المؤسسات العمومية والصناديق الاجتماعية ودخل معه في صراع حاد في معركة التربية والتعليم… ولم يكن للاتحاد أن يستمر في دعم واسناد الشاهد وحكومته خاصة وان الاخير قد ابان عن تعنت صلب تجاه المنظمة الشغيلة وقصفها بانتقادات حادة اغضبت القيادة النقابية التي ردت الفعل بقوة وصعدت في اتجاه تعديل حكومي ـ بداية ـ ثم تعديل يشمل الشاهد وكل حكومته… لنصل في الاخير الى اجتماعات وثيقة قرطاج التي علقها الرئيس في الاجتماع الاخير بعدما عطلت سيرها حركة النهضة برفضها النقطة 64 وبالتالي تمسكها ببقاء يوسف الشاهد الذي فقد كل مسانديه بما في ذلك حزبه نداء تونس وارتمى في احضان الاخوان ارتماءة استغاثة.. لتنطلق بعد ذلك المناورات والمؤامرات في مشهد سريالي عبثي يتحرك من حول السلطة ولا علاقة له بالبلاد وأهلها ولا بقضايا التونسيين ومشاغلهم..

يدرك السيد يوسف الشاهد انه يستحيل عليه ان يستمر على رأس الحكومة بلا أحزمة أمان فهو محاصر بشدة ومطلوبة رأسه من حزبه نداء تونس واتحاد الشغل وغضب مدني اضافة الى غضب الرئيس غير المعلن ولم تتبق له غير حركة النهضة والتي لانعتقد بأنها ستستمر في التمسك به فمن غير مصلحتها الاصطدام باتحاد الشغل والنداء من اجله.. ورغم هذه الوضعية الرخوة فان الشاهد مستمر في ممارسة صلاحياته لكأن شيئا لم يكن بل هو فتح اكثر من واجهة لمزيد تأزيم وضعه فبعد قصفه حافظ قائد السبسي المدير التنفيذي للنداء أطاح بغريمه وأكثر الوزراء ثقلا السيد لطفي براهم وزير الداخلية وهو ماض في ممارسة صلاحياته واخرها تعيين العميد المتقاعد مختار بن نصر على رأس اللجنة الوطنية لمكافحة الإرهاب ومن المتوقع ان يجري تعديلا حكوميا على مزاجه!؟.

فهل ربح الشاهد معركته مع الكلّ وضد الكلّ وهو الان بصدد ادارة الازمة بأكثر ارتياح ودون منغصات…؟

الواقع ان السيد يوسف الشاهد وبما انه يدرك استحالة استمراره على رأس الحكومة وحيدا ودون اسناد حزبي وبمعزل عن اتحاد الشغل وبما انه يدرك ان حركة النهضة لن تستمر في التمسك به فإنه كما نتوقع بصدد صناعة صورة شخصية له تسمح باستمرار طموحه السياسي وتؤهله للتقدم في استحقاقات سنة 2019 اي ان الشاهد انما هو بصدد تهيئة خروج مشرف من الحكومة وخروج بطولي لصورة رجل دولة قاوم أعداء نجاحه.. خروج لا يدفع به الى ذاكرة النسيان كما هو حال المهدي جمعة والحبيب الصيد وانما خروج من أجل البقاء والاستمرار..
خلاصة القول فإن الشاهد لا يقاوم ـ الان ـ من أجل البقاء على رأس الحكومة وانما هو يقاوم حتى لا ينتهي سياسيا.. وهو بذلك انما يقاوم من أجل نفسه لا من أجل المصلحة الوطنية كما في مأثوره…

——————
جريدة الصحافة التونسية

تعليقات الفايسبوك :
المزيد من المقالات ذات الصلة
تحميل المزيد في أخبار عاجلة
التعليقات مغلقة.

اقرأ أيضا

الدولة تسترجع 08 هك في منوبة و بناية في الكاف

تواصلا مع النسق الحثيث للحملة الوطنية لاسترجاع الدولة لعقاراتها المستولى عليها،استرجعت مصا…