Home أخبار عاجلة الباحث والإعلامي التونسي غفران حسايني: على الخطاب الديني أن يساهم في بناء وعي الإنسان

الباحث والإعلامي التونسي غفران حسايني: على الخطاب الديني أن يساهم في بناء وعي الإنسان

0 second read
0

حاوره: صالح سويسي

يرى الباحث في الحضارة والفكر الإسلامي والإعلامي غفران حسايني أنّنا بحاجة إلى تفكيك الفكر الديني المتطرف حاجتنا للحياة وحاجتنا للمستقبل وحاجتنا للإسلام نفسه، بعيدا عن القراءات المنحرفة والمتطرفة التي تقتل في الحضارة الإسلامية قوتها الروحية وقدرتها على التطوّر والتقدم ومجدها العلمي والإنساني القديم الذي انصهرت فيه الشعوب والقبائل والقوميات والأعراق من عرب وفرس وترك وهنود وأمازيغ (رغم بعض العيوب) ومنحت لهذه الحضارة كل تميّز وتفوق عالمي.

ويؤكد على ضرورة أن تكون لتونس مراجعها الفقهية وبرامجها التلفزية المتعلّقة بالفتوى التي تُرشد الناس وتأخذ بيد الشباب وجعل الشيوخ والمختصين في علاقة مباشرة بشعبهم حتى لا يبحثوا عن مرجعيات أخرى من قنوات وشيوخ آخرين قد تكون آراؤهم غير منسجمة مع المرجعية الفقهية المالكية أو يكونون ضحية للاستقطاب من قبل تنظيمات مشبوهة على الانترنات.

في هذا الحوار مع الباحث والإعلامي التونسي غفران حسايني حاولنا أن نتحسس معه جوانب من دور «الإعلام الديني» في صدّ المدّ المتطرف والسعي إلى تقديم المعلومة الدينية الصحيحة بعيدا عن التأويلات الخاطئة والتضييقات المعرفية، فضلا عن تبسيط المعلومة والمصطلح بما يؤدّي إلى فهم رصين وصحيح للدين مبنيّ على أسس معرفية بعيدا عن خطابات الترهيب والتخويف والترغيب التي يمارسها كثير من الشيوخ مستغلين مساحات إعلامية وخاصة تلفزيونية تستغل ضعف دراية أغلبية المسلمين بدينهم.

ما هي أهم المقاييس التي تعتمدها لاختيار المواضيع التي يتم التطرق لها في كل حلقة من برنامجك التلفزيوني «ليطمئنّ قلبي»؟

نحن نعمل في برنامج «ليطمئن قلبي» على معالجة قضايا الواقع من خلال رؤية الإسلام لكيفية معالجتها من جانب قِيمي وأخلاقي وعقائدي وشرعي، فالخطاب الديني عليه أن يساهم في بناء وعي الإنسان من جهة وأيضا يدفع به إلى التخلّص من الصفات السلبية والأخطاء التي وقع فيها لذلك نطرح قضايا (الرشوة، الانتحار، الغش، المخدرات، وحتى التبذير الغذائي) ونتناقش في كيفية معالجتها من وجهة نظر القرآن الكريم والسنّة، ثمّ نخصص الجانب الأكبر من الحلقة لاستقبال أسئلة المشاهدين مباشرة عبر الهاتف وعبر وسائل التواصل الاجتماعي ليسألوا في أي موضوع في أمور الدين والدنيا.

وقد يرى البعض أن هذا العمل المتعلّق بالفتوى ليس عميقا من جانبه الفكري ولكنهم يغفلون عن ضرورة أن تكون لتونس مراجعها الفقهية وبرامجها التلفزية المتعلّقة بالفتوى التي تُرشد الناس وتأخذ بيد الشباب وجعل الشيوخ والمختصين في علاقة مباشرة بشعبهم حتى لا يبحثوا عن مرجعيات أخرى من قنوات وشيوخ آخرين قد تكون آراؤهم غير منسجمة مع المرجعية الفقهية المالكية أو يكونون ضحية للاستقطاب من قبل تنظيمات مشبوهة على الإنترنات «فكم من سائل عن نواقض الوضوء في الإنترنات أصبح مقاتلا في داعش».

كيف أمكنك أن تكون موضوعيّا في التعاطي مع المواضيع المطروحة على أهمّيتها وحساسيتها أحيانا، وأيّة وسائل أو آليات تعتمدها في تبليغ الفكر؟

الموضوعية ليست أمرا هيّنا أو سهلا تجده جاهزا في نفسك وهي مطلب صعب، فعلى كل صحفي أو باحث أن يتدرّب عليها، إذ لا يوجد إنسان يفكّر خارج أنساق معرفية ومرجعيات ومناهج تحليل وفهم خاصة في قضايا الدين والفكر، إلا أنّ الموضوعية تعلمتها جاهدا في الجامعة أولا من خلال تأطير الأساتذة والبحوث والدراسات والقراءات والمقاربات المتنوعة لقضيّة ما، ومن ثمَّ أطبّق ذلك في مجال الإعلام الذي أنَسِّبُ فيه كل فكرة حتى لا نقع في الوثوقية المطلقة التي تقودنا إلى التشدد والتعصّب إلى آرائنا، وهذا ما يجعل هذا المجال خطير جدا في مضمونه ورسائله ويحتاج إلى تراكمية معرفية وتكوين جيّد.

هذا فضلا عن حسن تقديرٍ لتبعات كل كلمة وكل رسالة إعلامية يمكن أن تقوم بها لأن ما تقوله هو أحد أشكال الخطاب باِسم الإسلام وحضارته وفكره وما يمكن أن ينتج عن ذلك من بناءِ مواقف لدى المشاهد أو المستمع.

إلى أي مدى يمكن للخطاب الإعلامي الديني المعتدل أن يشكّل مساحات لتعديل البوصلة وخاصة لدى الشباب؟

لولا إيماني بخطورة هذا الخطاب ودوره ومحوريته في بناء الفكر المستنير والمعتدل والإيجابي لما واصلت في هذا المجال ولاَتّخذت مجالات إعلامية أخرى ثقافية أو اجتماعية أو سياسية، نحن نعاني من هشاشة في هذا المجال بل وتصحّر كبير ولّد فراغا هائلا تسّرب من خلاله الفكر المتشدد إلى عقول الناس.

لا يمكن أن نجدّد فكرنا الإسلامي والديني في الدراسات والبحوث والجامعات فقط، بل نحتاج إلى وسائل نشر هذا التنوير تدريجيا وهو الإعلام، ولا أزعم أني أقوم بذلك بل أدافع عن وجود هذا النوع من الإعلام على قَدْرٍ من التطوّر والتجدد بعيدا عن ذلك المشهد الكلاسيكي القائم على الوعظ والإرشاد الذي لم يعد مرغوبا فيه لدى الشباب ولازلنا نحتاج إلى تطوير كبير وشجاعة في الطرح وذكاء وامكانيات لنصل إلى مرحلة من الحصانة الفكرية الدينية.

حين كنت مستشارا لدى مفتي الجمهورية قمت بعديد المبادرات منها إنشاء موقع خاص وصفحة على مواقع التواصل الاجتماعي بديوان الإفتاء، فضلا عن التواصل الدائم مع وسائل الإعلام… ماذا عن تلك التجربة؟

تجربة أن تكون أول ناطق رسمي في تاريخ ديوان الإفتاء ومستشارا إعلاميا لمفتي الجمهورية الشيخ حمدة سعيد اعتبرها تجربة ثرية مكنتني من الإطّلاع على أهمية الفتوى في بناء الوعي الديني في المجتمع التونسي وحاجة الشعب إلى من يرشده ويدلّه ويأخذ بيده في أبسط المسائل.

ولمّا قمت بتأسيس موقع رسمي لديوان الإفتاء وصفحة رسمية على موقع التواصل الإجتماعي «فايسبوك» صدمت بمئات الأسئلة الواردة يوميا علينا من مختلف المناطق التونسية ومن تونسيين يعيشون في المهجر، وهو ما جعلني أنتبهُ إلى أنّ هذا المجال مهمّ جدّا في التواصل وأنّ شعبنا يحتاج إلى مرجعية فقهية تملأ ذلك الفراغ القائم الذي يدفع بالشباب إلى الإبحار على «قوقل» ليسأل شيخا قد يكون موجودا في الرقة أو تورابورا.

علينا أن ننتبه كشعب يحارب التطرف والإرهاب إلى مختلف التفاصيل التي قد لا نعيرها إهتماما لكنها تكون على غاية من الخطورة، وفي برنامج «ليطمئن قلبي» على قناة «آم تونيزيا» نتلقى في الحلقة الواحدة ما يعادل 50 اتصالا في الدقيقة أثناء البثّ المباشر إلى درجة تعطّل الخط فضلا عن اتصالات على مدار الأسبوع من أجل سؤال فقهي.

وعندما أنشأنا صفحة «الفايسبوك» اكتشفت متابعين تونسيين ومسلمين من كل بلاد العالم من أمريكا ونيجيريا والسنيغال وأوروبا والبلاد العربية، هل تتصور أنّ فتوى طولها 5 دقائق على صفحة البرنامج حول موضوع مثل «مسح الجوارب أثناء الوضوء» قد يشاهدها أكثر من 40 ألف متصفّح وأكثر بكثير، وهنا تكمن أهمية تكنولوجيات التواصل الحديثة.

تكتب وتنشر حول تفكيك الخطابات الدينية المتشددة انطلاقا من اطلاع كبير وزاد معرفي تأسّس على قراءات غزيرة في متون التاريخ الإسلامي بمراحله التي تراوحت بين الهزّات المؤثرة والفترات المزدهرة ما يجعل من كتاباتك مراجع في فهم تلك الخطابات وكيفية التوقّي منها؟

أنا مهتم بهذا المجال منذ نشأتي، فغالب قراءاتي في هذه القضايا والأهم هو تكويني الجامعي في مجال الحضارة العربية الإسلامية وأنا باحث في مرحلة الدكتوراه في كلية الآداب بمنوبة، لذلك أكتب باستمرار وأحاول إيجاد مقاربات فكرية كمساهمة مع جهود أخرى فضلا عن اِشتغالي في مجال الإعلام وقيامي بصفة دورية بدورات تدريبية على مستوى دولي لتفكيك أجندات الإرهاب ومتحصل في ذلك على شهائد دولية في هذا المجال وهو ما أعتبره مكسبا، أن اجمع في تكويني بين ما هو أكاديمي وما هو إعلامي وأيضا أدوات التحليل والتفكيك والربط فضلا عن تجربتي كإمام خطيب في العاصمة وعلى علاقة مباشرة بالمساجد وبالشباب وهو ما أعتبره أيضا أمرا يحتاج إلى بلورة مشارب مختلفة وتقديم قراءة لا تقتصر على منهج تحليل واحد غالبا.

في رأيك إلى أي مدى تحتاج المجتمعات الإسلامية اليوم إلى تفكيك الفكر المتطرّف ووضعه في سياقاته التاريخية وفي علاقاته بالشأن السياسي/الديني المتداخل؟

نحن نحتاج إلى تفكيك هذا الفكر حاجتنا للحياة وحاجتنا للمستقبل وحاجتنا للإسلام نفسه، بعيدا عن القراءات المنحرفة والمتطرفة التي تقتل في الحضارة الإسلامية قوتها الروحية وقدرتها على التطوّر والتقدم ومجدها العلمي والإنساني القديم الذي انصهرت فيه الشعوب والقبائل والقوميات والأعراق من عرب وفرس وترك وهنود وأمازيغ (رغم بعض العيوب) ومنحت لهذه الحضارة كل تميّز وتفوق عالمي.

ألا ترى أن التطرف والإرهاب أضرّ بالإسلام أكثر مما أضرّ به غزو المغول والصليبيين وحتى الاستعمار من قبل، إني ازعم أن ما عجزت عنه كل القوى الغازية في بلاد الإسلام منذ القديم تمكن من تحقيقه الإرهاب: تدمير التاريخ وقتل الحاضر ووضع الديناميت في المستقبل.

أنا أرى كباحث في الحضارة والفكر الإسلامي وكإعلامي أنّ أخطر معارك الإسلام في تاريخه هي التي يخوضها اليوم ضد أعداءَ من داخله يسرقون من الإسلام رحمته وعالميته وإنسانيته وروحانيته ودعوته لإعمار الأرض ويستبدلون كل هذه الرسائل الإلهية بمعانٍ ضيّقة ومحدودة تتعلق بالحرب والقتل من خلال توظيف الآيات والانتقائية في الفهم وهو ما أثبتته عديد الدراسات، فـ «داعش» على سبيل المثال لا توظّف من آيات القرآن إلاّ عددا لا يتجاوز 30 آية ويتمّ إهمال وإغفال قرابة 6000 آية، فهل يوجد خطر أعظم من هذا على الإسلام نفسه؟

أما علاقة الشأن السياسي بالديني فهذا موضوع طويل جدّا ويحتاج إلى تفصيل كنت قد اِشتغلت عليه من زوايا متعددة في كتاب لي سيصدر قريبا حول علاقة الفكر الإسلامي بمطارحات الحضارة المعاصرة التي يحكمها هاجس الخوف من الآخر والتي خلقت نوعا من الجفاء الحضاري بيننا وبين الغرب على وجه الخصوص لذلك جاء عنوان الكتاب «جذور الخوف بين الإسلام والغرب» وفيه تفصيل مطوّل لعجزنا عن مواكبة العصر وخوفنا من الآخر وهذا ما ينسحب أيضا على الحضارة الغربية في علاقتها بالإسلام وإذا يحكمها منطق الخوف والتوجّس وحتى التآمر.

————

جريدة الصحافة اليوم

تعليقات الفايسبوك :
المزيد من المقالات ذات الصلة
تحميل المزيد في أخبار عاجلة
التعليقات مغلقة.

اقرأ أيضا

المنستير: الملتقى الوطني للأطباء المبدعين يستضيف المفكر يوسف الصديق

للعام الثاني على التوالي تنظم جمعية طبّ ثقافة فنّ بالمنستير الملتقى الوطني للأطباء المبدعي…